الاقتصادية: مذبحة فيرجينيا في ربيع 2007م.

كتبهاnon_violence ، في 4 يونيو 2007 الساعة: 22:56 م

بقلم: خالص جلبي

مع تفتح شقائق النعمان في لون الأرجوان في الجولان، كان اللون في أقصى الأرض أيضاً أحمر قانياً، من دماء 32 شابا جامعيا، في ولاية فيرجينيا، مرة أخرى بيد رجل مصاب بـ (الأموك لاوف Amoklauf)، وهو مرض يقع في إندونيسيا، يقتل فيه المصاب به كل من حوله ولو كانوا أطفالا أو قططا، ثم يقتل نفسه.
وحمدنا الله أنه لم يكن إرهابيا عربيا؟ كذا.. بل أمريكيا ينز أمريكية من ثقافة مريضة مشبعة بالعنف، تتجلى في أبشع الصور من حين لآخر، في دلالة لا تسر الناظرين، على أن المجتمع الأمريكي مريض إلى قراريط أذنيه، بدءا من (وولفويتز) الذي يحقق معه من أجل امرأة باع قضيته من أجل النوم معها، أو هذا العفن الجديد من العنف المتأصل، في بيئة تروج الفاحشة والقتل في أفلام مريضة، تنتج على مدار الساعة من مصاص دماء من نوع دراكولا، أو قاتل بالجملة، أو حيوانات بريئة مثل العناكب، يقلبون طبيعتها لتصبح للشر مسخرة، وهي دلالة الشر في فكر منحرف وثقافة ضالة..
والآن مع صدمة المجتمع الأمريكي، تنقل التوابيت إلى القبور مهجا كريمة على أهلها، محبوبة ممن حولها، ولكن لو بكى أحدنا بقدر نهر كولورادو وسانت لوران في مونتريال والفرات في الشرق المنكوب، ما استطاع أن يعيد الحياة إلى فرد واحد، ممن دلفوا إلى الأبدية.
وإذا كان ثمة فائدة في الحدث، فهي دراسته مثل دراسة الطاعون والبلهارسيا والملاريا المتوطنة، ومعرفة الوحدة المسببة للمرض، ووضع الترياق واللقاح ضدها، كي لا يتكرر..
وكان أول تعرفي عليه عندما كنت في ألمانيا عام 1982 فاعتقل رجل معتوه، مجموعة من صبية مدرسة ابتدائية وبدأ بقتلهم ومعلمتهم، قبل أن ينحر نفسه، فيقف بين يدي رب العزة والجلال، ليسأله: وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت؟
ولقد أثارني موضوع القتل في المدارس والجامعات وتتبعت هذا الموضوع وما زلت، في محاولة رسم إحداثيات ثلاث: أين يقع وكيف يقع ولماذا يقع؟ في محاولة اكتشاف البنية (النفسية ـ الاجتماعية) لوقوع مثل هذه الكارثة..
وهذه الحادثة ليست الأولى بين أفظعها عام 1966م مع مصرع 16 شخصا أم الحالية وهي الضعف، ولم نستغرب أن يقفز الرقم إلى المئات بعد عشر سنين، ولكن علينا أن لا نفرح كثيرا ونشمت بأخبارهم، ففي العراق في الأيام نفسها حين مصرع 32 في فيرجينيا، كان عدد قتلى التفجيرات في بغداد الرشيد 172 قتيلا ومئات المقطعين والمشوهين والعميان والطرش والعرج والبرصان..
لكن العجب هو أن مجتمعا غربيا مفتوحا يقوم على الحرية والإباحية والضمانات أن يلجأ بعضه للتعبير بهذه الطريقة فهذا هو العجيب، أما العراق وما حوله من الشرق المنكوب، فهي طنجرة بخارية تتفجر من الاستبداد والضغط والقمع وقتل الروح والجسد من الأنظمة الديكتاتورية، التي قلبت البلد كله إلى مافيا منظمة للتشليح والفلق والرعب والمخابرات.. وإن يوما فيها كألف سنة مما يحدث في أمريكا..
العنف شجرة خبيثة، تربتها الكراهية، وثمرتها الخوف والجريمة، تتبرمج في النفس من خلال (دورة حضانة) للأفكار، تترسخ في اللاوعي، لتطفح في النهاية على السلوك، مثل الفيروس في إنتاجه مرض جنون البقر والبشر، يمارسه أناس خارج المصحات العقلية، صفتهم أنهم عقلاء يفكرون.
وهي مثل طيف اللون بدءا من الحقد ( الأزرق )، مروراً بـ (صفار) الوجه من القسمات البغيضة واللفظ السام، وانتهاءً بـ (أحمر) اللهب والصواريخ. وهي في النهاية مرض نفسي، ينتحر صاحبه في النهاية، كما فعل (ايريك هاريس) وزميله (دايلان كليبولد)، وهما يؤديان التحية الهتلرية في ذكرى ولادة الفوهرر (110)؛ فيقتلان 13 إنسانا بين مدرس وتلميذ، ويجرحان 28 جروح بعضهم خطيرة، ويخران صريعين غارقين في الدم في كافتيريا المدرسة الثانوية في مدينة (ليتلتون) في ولاية كولورادو الأمريكية، في مدرسة نموذجية، من أحد أفضل ثماني مدارس في كل أمريكا، في مدينة هادئة تضم 40 ألفاً، يعيش فيها الناس في أكثر من الأمان فلا يغلقون أبواب بيوتهم ليلاً!
وكان ذلك في ليلة 20 نيسان 1999 م، حيث كان دايلان كليبولد DYLAN KLEBOLD يغازل زميلته ديفون آدامس DEVON ADAMS، ويقضيان ليلة منعشة على موسيقى حالمة، يغزلان نسيج المستقبل بخيوط من أحلام وردية، ولم يدر في خلد الفتاة أن هذا من طقوس القبائل الجرمانية التيوتونية، قبل استقبال الموت، فبعد 67 ساعة من نسمات الليل الباردة، كان كل من اريك هاريس (18 سنة) و(دايلان كليبولد 17 سنة) يرقدان جثتين هامدتين، في كافتيريا المدرسة الثانوية، بعد أن جرا معهما إلى العالم الآخر، قبضة من البشر، في مذبحة كانت الأعنف من نوعها في تاريخ أمريكا الحديث.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الإختلاف, الجريمة, العدالة, العنف | السمات:, , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر