الاقتصادية: العقبات العظمى: النقد والعنف والمعاصرة.

كتبهاnon_violence ، في 27 يونيو 2007 الساعة: 15:26 م

بقلم: خالص جلبي

يذكر جاك بيرج في كتابه (عندما تغير العالم) أن الكاهن (ميرسين)، كان يعقد في ضواحي باريس، في منتصف القرن السابع عشر، جلستين أسبوعيتين لأهم الأدمغة في أوروبا.
وفي إحدى هذه الجلسات لمع في ذهن (رينيه ديكارت) مخطط الهندسة التحليلية، من خلف طنين ذبابة، أراد أن يحدد إحداثياتها، والآن أصبحت علما يدرسه كل طالب في الرياضيات.
وحسب (برتراند راسل) الفيلسوف البريطاني في كتابه (النظرة العلمية) فإن كل النهضة الأوروبية تدين لـ 100 دماغ، ولو صفيت وقضي عليها، ما كانت هناك نهضة لا ناهضون؟
واليوم تخضع كل أوروبا لتيار عارم، بزخم لا يكف عن الاتساع، من فكر الحداثة والتنوير. مع وجود بؤر تخلف وخرافيين هنا وهناك، ولكن التيار العقلي من الحداثة هو الذي يمسك بمفاصل المجتمع ويقوده، وهو أمر شعرت به أثناء مكثي الطويل في ألمانيا حين واجهنا الفرق بين العقيدة الظنية والعلم اليقيني.. ولا الأولى كذلك، ولا يقين ولا حتمية ولا موضوعية في العلم حسب نظرية (الارتياب) عند (فيرنر هايزنبرغ)؛ بل قوانين (احتمالية) كما صاغها (جاوس) من جامعة (جوتنجن)، بخاصة في علم الاجتماع.
ولولا هذا التيار؛ لبقيت أوروبا في قبضة "الكثلكة" والإقطاع، تبيع فيه الكنيسة تذاكر في صالونات الجنة للأغنياء الفاسدين، ولما انفجر تيار الإصلاح الديني، ولبقيت تعس في ظلمات القرون الوسطى، وبقيت تعالج السعال الديكي بلبن الحمير، ويضحك (البابا) من سخف من يقول بكروية الأرض، كيف لا تسقط الأشجار من تحت، ويعالج الإفرنجي الرهيب بجلد الذات في البراري، واستعطاف المريخ أن يعدل مزاجه، كما فعل البابا (الكسندر السادس)؟!
ومعنى ما مر أن النهضة تبدأ من الفكر، وهو منهج القرآن أن (تغيير النفوس) هو الذي يقلب الواقع. وفي قناعتي أن هناك ثلاثة تحديات؛ أعلى من سد يأجوج ومأجوج، في وجه المسلمين، ما لم ينقب في هذا الجدار نقبا؛ فيكون دكاء، "وكان وعد ربي حقا".
أولا: شق الطريق للفكر النقدي على حساب النقلي، تأسيسا منهجيا، وربطه بالدماغ الإسلامي العام في الشارع والجوامع والجامعة، لأن من يستولي على المسجد والجامع والجامعة، ومؤتمرات تضم عشرات الآلاف في أمريكا وكندا وأوربا هم أئمة التيار النقلي، تتحدث عن عدل الفاروق، في الوقت الذي يفلق المتهم قبل إدانته في أقبية المخابرات، أو عن فواكه الجنة وهو يمشي حافي القدمين، مع الحرص المؤكد في كل مرة، على نقاوة الجو من مقلقي النوم العام.
ثانياً: ومن أهم أولويات تعميق العقل النقدي، تناول مشكلة العنف وفكها عن فكرة الجهاد الإسلامي، التي هي بوجه آخر إحياء للخوارج من قبورهم، وإحياء مذهبهم كما في حادثة الردادي وأمثاله في المدينة المنورة، الذين ذبحوا عائلة فرنسية، في فبراير 2007 من الوريد للوريد، مع التأسيس الفقهي لذلك، وضمن سلسلة أبحاث وكراسات توزع في كل سبيل.
وهو عنوان ورقتي (إيجاد الآخر أم إلغاؤه) التي قدمتها في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، في فيرجينيا عام 1993، قبل أن يسمع أحد بارتطام البرجين في نيويورك، ولو فعلوا لكان ذلك مانعة صواعق للمسلمين.
وهي قصة قديمة في التنظيمات الإسلامية كتبتها بشكل مبكر منذ عام 1982م في كتابي (النقد الذاتي)، الذي أعيدت طباعته، كما تعاد طباعة كتاب (الاستبداد) للكواكبي، والاستبداد يزداد استفحالا.. والأصولية النقلية تزداد ضراوة وتعمقا، دليلا على مدى ملوحة التربة.
والفكرة الثالثة: هي ربط العقل الإسلامي بالمعاصرة، فإذا لم نعرف أين نحن، فلن نعرف إلى أين نتوجه، وما لم نقوم بالمغامرة العقلية، فلن نعبر محطات التطور العقلي في القرون الخمسة الأخيرة، لأن العالم العربي لم يتطور منذ ابن خلدون.
وهذا الربط يجب أن يتم بدون أن يخسر دينه، لأن جماعة الحداثة من (أدونيس وآركون وأبو زيد)، يريدون استئصال ثألولة من الأنف، بالمنشار وبدون تخدير، كما كانت تجرى العمليات أيام القراصنة، وانتبه (الجابري) البحريني لذلك، أن الحداثيين لن ينجحوا قط، طالما يهاجمون إيمان الناس.
وجماعة الحداثة يريدون جعل العربي أوروبيا، وهو أمر مستحيل حتى بعمليات الاستنساخ؟؟
مقابل من أراد من الجهة الإسلامية فرض الفكر على التاريخ، وهي عملية تلفيقة غير صحيحة، أو وضع مصطلحات ضعيفة عرجاء مثل أسلمة المعرفة، في مواجهة نصرنة المعرفة.
وعلينا أن نواجه مشكلاتنا، مثل مواجهة المريض بالمصارحة والصدق والوضوح، في ورشة عمل يتم فيها اعتماد دورية اللقاء، ورياضيات التفاضل والتكامل، واستقطاب أدمغة المعارضة النقدية، وتوسيع دائرة الحوار.
واليوم يقوم في (لوزان) مشروع بناء دماغ بشري صناعي (الدماغ الأزرق) Blue Brain Project، سوف يولد عام 2015، ويقول قائد المشروع (ماركرام) إن أوراق البحث، في الأبحاث العصبية في العام تبلغ 35 ألف ورقة عمل، وأن جهد أي شخص عملاق لن يستطيع هضم أو تقديم أكثر من 1 في المائة من هذه الأبحاث، والطريقة الوحيدة لفهم عمل الدماغ، هي مضاهاة بنائه، فلننظر أين جهودنا مقابل ما يحدث في العالم.

http://www.aleqt.com/article.php?do=show&id=5949

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الإختلاف, العلم, المعرفة | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر