الاقتصادية: تشريح التاريخ وأدوات البحث المعرفي.
كتبهاnon_violence ، في 27 يونيو 2007 الساعة: 15:42 م
بقلم: خالص جلبي
الجراح يدخل قاعة العمليات متنكراً لا يرى منه إلا الأحداق، وخلال لحظات يدخل حفلة تنكرية؛ فيغير مهنته بين نجار وحداد وخياط وحلاق.
(نجار) في جراحة العظام قد حمل المطرقة والمسامير، يعلو جبينه العرق وتئز ماكينة ثقب العظام أزاً، أو في شكل خياط في جراحة الأوعية الدموية، تعمل إبرته برشاقة في رتق جدر الشرايين الممزقة، أو حلاق يزين الجلد كما يفعل جراح التجميل فيغطي الصلع ويمحو آثار الحروق ويرتق شفة أرنب وقبة حنك مفتوحة، أو على شكل سباك يفتح الطرق المسطومة كما يفعل جراح البولية فيحرر الطرق من حصاة حالب وحجر مثانة وتضيق أحليل.
ويعتمد الجراح في عمليته على أدوات شتى، من المشرط والملقط والخيط والمخثر الكهربي وماص السوائل، كما يعتمد النجار على المطرقة والمنشار والمسمار، وكما يحل الميكانيكي مشكلاته فيدخل إلى بطن السيارة بمفك البراغي وعمود الميزان ونافخ الإطارات.
وفي عمليات فتح (بطن التاريخ) وتفكيك إحداثيات (التراث) يجب على المرء أن يفعل الشيء نفسه، كي يحرر الوعي، ويصبح عقلانياً سننياً منهجياً فلا يتحدث كالسحرة والمجانين.
وهذا يعني أننا نحتاج إلى أدوات نوعية تعرف بالعلوم المساعدة.
وإذا أردنا تنزيل هذه الكلمات على الواقع سنرى رؤية مدهشة؛ فالساحر يدمدم بألفاظ ليس لها تفسير إلا عنده، والمجنون يتحدث بنفس لغتنا بانفكاك كامل عن الواقع.
وعندما يقول المجنون: تغديت البارحة في المريخ؟ يعتبر قوله صحيحاً إذا تم تفكيكه وفهمه على جزءين: من منظار أنه أكل، وأن هناك كوكب اسمه المريخ. ولكن جرت العادة أن المآدب لا تقام خارج الأرض؛ فخرق العادة وانفكك عن الواقع فهذا هو الجنون.
ولا غرابة أن اتهم العباقرة والأنبياء بالجنون؛ فكان لابد من شحنهم روحياً.
إن معدن النبوة شيء مختلف وهو فوق الجنون وزمع الكهَّان ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ).
وكذلك الحال في فهم التاريخ وعلم الإنسان ودينامية المجتمع.
والأدوات المعرفية لتشريح التاريخ متنوعة: من علم (الفيلولوجيا PHILOLOGY) لفك أسرار اللغات المغيبة، واستحضار علم الانثروبولوجيا (علم الإنسانANTHROPOLOGY ) والإصغاء إلى همس قوانين التاريخ، واستنطاق علم الآثار، وغريزة اللغة في علم (الألسنيات)، واستخدام تقنية (بصمة الجينات)، وفهم عمل البيولوجيا والفيزيولوجيا والبرمجة العصبية اللغوية، وديناميكية السيكولوجيا، ونظم علم الاجتماع، ونبض سنن الحضارة.
ولا يمكن الدخول إلى (بطن) أي علم دون الاستعانة بحزمة من العلوم المساعدة، كما فعل الميكانيكي والنجار والجراح. فهذه هي أدوات تشريح هذا الحقل. وبالتالي فلا يمكن فتح جمجمة مريض اليوم بأدوات فرعونية، ولا يمكن التداخل على (إم دم ـ انورزم ANEURYSM) بأدوات (الرازي) الجراحية، ولا يمكن فهم القرآن بعقلية أناس تحددت إحداثيات الرؤية لديهم من القرن العاشر الميلادي، ولا يمكن سبر قاع البحر بغطاسين يعتمدون كتم النفس لمدة ثلاث دقائق.
وتشخيص المرض والتداخل الجراحي على الجسم، يتم اليوم باستخدام تقنيات شتى، واعتماد (ضفيرة) معقدة من التقنيات لفك ألغاز المرض، وإماطة اللثام عن سيره المضطرب. مثل السكانر والمرنان المغناطيسي والسونار..
ولو بعث ابن كثير وابن تيمية وابن القيم والحصفكي والترمذي والاسفراييني، لكتبوا الجديد، وأضافوا المثير، واعترفوا بالكثير من الخطأ؛ فهم على كل حال غير معصومين، وليسوا فوق النقد أو دون الخطأ. ولا يخرج الإنسان عن إحداثيات العصر وارتكاساته الفكرية.
والكتابة في أي عصر تدخل مثلث ( اللغة ـ الفكر ـ الواقع ).
فأما الفكر فيولد من رحم التاريخ.. وأما اللغة فتتطور بنمو الفكر، في معادلة متفاعلة عكوسة.
http://www.aleqt.com/article.php?do=show&id=5959
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : التاريخ, المعرفة | السمات:المعرفة, التاريخ
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























