الاتحاد: الفجوة المعرفية ومرحلة ما بعد "صِفين".
كتبهاnon_violence ، في 4 يوليو 2007 الساعة: 17:50 م
بقلم: خالص جلبي
إذا كان الواقع البشري هو محصلة طبيعية للأفكار السائدة والنظام العقلي المسيطر، فإن وضع العالم الإسلامي غير السار اليوم يعود إلى النظام المعرفي (الابستومولوجيا) والعقلية التي تحرس شجرة المعرفة هذه، وهذا المرض الثقافي ليس ابن اليوم، بل هو محصلة تراكمية عبر القرون، مما أورث العقلية مجموعة من الأمراض المزمنة التي أصابته بالكساح.
يعاني العالم الإسلامي اليوم من مشكلة (تحدٍ) ثلاثية الأبعاد، وكل منها يعتبر مشكلة أو تحدياً عويصاً بحد ذاته.
الأولى: عظمة الماضي وهزال الحاضر، فالمسلمون أبناء حضارة ضخمة، وكان دورهم في التاريخ دوراً قيادياً ورائداً، واليوم يمثلون ليس مركز العالم، بل دول الأطراف العاجزة عن حل مشاكلها، فالفرق عميق بين الهدف والواقع، بين الإمكانيات والإرادات، وما حدث في البوسنة والجزائر وأفغانستان والعراق وفلسطين… دليل على عجز مروع، وشلل مخيف في الجسم الإسلامي الممتد من طنجة حتى جاكرتا.
والثانية: الفجوة المعرفية التراكمية بين قمة العالم الحالي وبين العالم الإسلامي، فالأخير لم يدخل المعاصرة تماماً ولم يتمكن من أسرارها، بل هو في حالة "فقد توازن" أمام إعصار الحداثة الذي دخل بيته، وأدخل معه الفوضى، كما نسف كل الطمأنينة السابقة التي كان يحياها.
والثالثة: أننا عقلياً "دون مستوى القرن الثالث الهجري"؛ ففي الوقت الذي كان العقل المسلم يتألق في حلقات المسجد العلمية، ويدرس فكر عصره، ويصدّر نتاجه العلمي، فنحن لا نستطيع اليوم حتى بناء مناخ عقلي يشابه ذلك الذي شهدته تلك القرون. لقد بنوا المعاصرة وعاشوها، ونحن تغزونا المعاصرة وتقتحم علينا عقولنا، ونصدها. وهكذا فعجزنا ثلاثي المستوى: بين ما نريده ولا نملك إمكانياته، بين الغياب عن التاريخ وما حدث فيه، وبين فقدان الذاكرة التاريخية… فنحن لا نعرف حتى ذاتنا!
والسؤال: كيف حدث هذا، ولماذا حدث، وفي أي ظرف تاريخي؟
لا يمكن معرفة واقع العالم الإسلامي المريض، إلا ضمن قانون "الصيرورة التاريخية"، فالسقوط والتمزق الحالي هما ثمرة لأفكار تشكلت عبر القرون، ولذا لابد أولاً من الغوص في بطن التاريخ لملاحقة الأحداث وارتباطاتها، إذ علينا أن نتتبع المسارات التاريخية لفهم أفضلَ لواقع العالم الإسلامي اليوم.
يمكن أن نستعير تشبيه المفكر الجزائري "مالك بن نبي" في المخطط البياني الذي رسمه للعالم الإسلامي، ويعتبر أن نقطتين تسيطران على مجرى صيرورته؛ الأولى يعتبرها نقطة "توقف"، وهي المتوافقة مع معركة "صفين" عام 34 هـ، والثانية يعتبرها بداية "الانهيار"، وهي المتوافقة مع عصر ابن خلدون في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي.
في الأولى توقفت الروح عن الصعود، وفي الثانية تحررت الغريزة من قبضة الروح فانهار العالم الإسلامي.
ويرى مالك بن نبي أن معركة "صِفين" لم تكن مجرد معركة عسكرية حقق فيها طرف انتصاراً على طرف آخر، بل كانت "انعطافاً" في مسيرة الحضارة الإسلامية، بل "انقلاباً" لسلم القيم. وقد أفرز ذلك الانشقاق المروع ثلاثة عوالم: عاَلم عقلاني، وعالم انتهازي، وعالم دوغمائي.
العقلاني يخسر معركة تقرير المصير بالتدريج، والانتهازي يملك مقود التوجيه، والدوغمائي يدمر نفسه ومن حوله بآلتي العنف والجمود العقليين.
وسوف يكتب على العالم الإسلامي بعدها أن يتشرب العنف، فيعجز عن حل مشكلة الانتقال السلمي للسلطة بعد فترة الحكم الراشدي، والذي اتفق العالم الإسلامي كله على منحه هذا اللقب، فلم يعد هناك "رشد" بعد الحكم الراشدي، بل تحول التاريخ الإسلامي برمته إلى مسلسل لا ينتهي من القنص الدموي للسلطة؛ ففقدَ العالم الإسلامي رشده، وفقد الأمانة والأمن الاجتماعي، وتحول إلى مذهب الغدر.
إذن فكارثة التحلل في العالم الإسلامي لم تدشن بهجوم خارجي، بل بتحلل داخلي في المقام الأول.
وفي تلك الظروف المشبوهة، كتب معظم ثقافتنا التي يجب أن تخضع الآن لصرامة التحليل والعقل النقديين، فالكثير من الأفكار "القاتلة" مازالت تفعل فعلها فينا ومن دون شعور منا، لأنها مختبئة تعمل في الظلام ومن خلال آليات "اللاوعي" الاجتماعية.
http://www.wajhat.com/details.php?id=29645&journal=2007-07-04&active=1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : التاريخ, المعرفة | السمات:المعرفة, التاريخ
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























