الاقتصادية: قتال الفلسطينيين لبعضهم صيف 2007م.

يوليو 5th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الحرب, العنف

بقلم: خالص جلبي

سيكتب صيف عام 2007م أنه تاريخ كاشف على مرض العرب الفعلي، حيث اقتتلت (فتح) و(حماس) بكل حماس، فقلبوا بعضهم كما فعل الرفاق في عدن والبعثيون في دمشق والعراق من قبل ولا جديد.
وقد يتعجب القاريء حينما أقول إن ما حدث رائع وليسا عيبا، وهو خبر سار وليس حزينا، لأنه كاشف لمرضنا الفعلي دون مواربة، وهي فرص تاريخية قلما تسنح، حين يعلن المرض عن جبروته بكل وضوح ودون أي تفسير، بحث يدفعنا للمراجعة المؤلمة. ولذا يجب أن نفرح من جانب لما حدث، لأنه كشف عن طبيعة المرض الحقيقية، التي طالما نهرب من إدراكها.
وفي حرب الخليج الأولى كان صدام يضرب تل أبيب والرياض بالصواريخ نفسها، ونسينا يومها إسرائيل، واضطررنا إلى مواجهة الصورة الفعلية، وعرفنا أن علتنا داخلية، وأن الصراع العربي - العربي، هو الجوهري والحاسم والأساسي، وأن الصراع العربي الصهيوني هامشي وجانبي، ولذا فإن ما حدث في صيف 2007م كان أكثر من رائع في البرهنة الحادة على حقيقة العلة.. خلافا لما حدث في صيف 2006 حين واجه حزب الله إسرائيل، لأنه يخفي طبيعة المرض ويفتن الناس ويصرفهم عن العلة الأساسية.
وهو يؤكد أن مرضنا داخلي قبل أن يكون خارجيا، وأننا يجب أن نكف عن الحديث عن الأعداء، وأننا ألد الأعداء لبعضنا بعضا، وأن عدونا الأشد هو نحن، وأن علتنا داخلية. وأن مرض أهل الكتاب واحد، وأن ما عانى منه بنو إسرائيل يوما، لا يخص بني إسرائيل، بل نحن بشر ممن خلق نصاب بالعلل نفسها. وحين يقص علينا القرآن خبر أهل الكتاب فليس للتسلية بل الموعظة والاعتبار، ولكن كما تقول زوجتي ما أكثر العبر وأقل الاعتبار..
ومن يتحدث عن الأعداء يبتعد عن موطن المرض، ومن يتحدث عن الانهيار الداخلي ومعالجته، يبحث في الأرض التي فيها الحل.
وتعلمت من مالك بن نبي المفكر الجزائري قوله، أنه بقدر حديثنا عن مشاكلنا الداخلية بقدر الاطمئنان إلى أننا نعمل في المكان الصحيح، وبقدر حديثنا عن الصهيونية والماسونية وما شابه من العناصر الخارجية، فإننا نبتعد عن مكان الحل، ويذكر (أي مالك) عن مؤتمر جرى في الغرب للح

المزيد


الاقتصادية: ماذا يفعل الحسد؟

يوليو 5th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الجريمة, العدالة

بقلم: خالص جلبي

في عام 1953 التقى كل من (جو أورتون) و(كينيث هالويل) في الأكاديمية الفنية الملكية للمسرح في لندن، وكان كل منهما يشق طريقه لأن يصبح ممثلاً، ولكن الخيبة أصابت الاثنين، وكسبا منها فقط أن أصبحا صديقين حميمين.
كان وضعهما المادي مزريا؛ فعرض هالويل على صديقه أن يصرف عليه، بسبب ثروة ورثها من أبويه، تكفيهما لبضع سنين لحين تنفرج الأزمة، وهكذا عاش الصديقان بضع سنين بهذا المال القليل، حتى كان عام 1957م، حين بدلا وجهتهما؛ فبدأ الاثنان في الكتابة الأدبية.
كان (هالويل) أكبر من (جو أورتون) بسبع سنين؛ فكان هالويل يملي، والآخر يكتب، ثم ينقح كمساعد له، وما حدث لاحقاً أن الناس لم تعترف بهما، وأكلا الثروة المتبقية، وبدأ الفقر يعض الشابين المكافحين.
وفي النهاية دهمت الشرطة بيت الرجلين، لاتهامهما بتزوير بعض الأعمال الأدبية، وترتب على ذلك أن لبث (جو أورتون) في السجن ستة أشهر، ولكنه خرج وهو ناقم على المجتمع البريطاني، وقرر أن يكتب مسرحيات لاذعة، واستمر في هذا الطريق حتى عام 1962م، حيث لمعت مسرحيته الأولى، بعنوان (إمتاع السيد سلون).
وضرب أورتون ضربته؛ فجاءت بيضة الذهب كما يقولون، ولاقت رواجا منقطع النظير، في الحي الغربي الثري والمثقف في لندن المعروف بويست اند. وهو الاسم نفسه لمثل هذا الحي، في مدينة مونتريال الكندية الفرنسية (غرب الجزيرة).
وخلال سنتين تسنم (جو أورتون) ذرى المجد، في الوقت الذي خسف بصاحبه وخليله هالويل فأمه هاوية، وأصبحت الصحافة وعالم الأدب تتخاطف أعمال أورتون، ومن أهمها كانت مسرحيته بعنوان (النهب).
كان كل شيء يصعد إلى أعلى عند (أورتون)، إلا علاقته مع صديقه القديم (هالويل) فقد كانت تتعرض لخسوف وتراجع. كل ذلك بفعل التناقض بين الفشل والنجاح، وما يحمل من حسد، مذكرا بقصة ولدي آدم، حين قتل الفاشل الناجح، فتقبل منه قال

المزيد


الاقتصادية: العقبات العظمى: النقد والعنف والمعاصرة.

يونيو 27th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, العلم, المعرفة

بقلم: خالص جلبي

يذكر جاك بيرج في كتابه (عندما تغير العالم) أن الكاهن (ميرسين)، كان يعقد في ضواحي باريس، في منتصف القرن السابع عشر، جلستين أسبوعيتين لأهم الأدمغة في أوروبا.
وفي إحدى هذه الجلسات لمع في ذهن (رينيه ديكارت) مخطط الهندسة التحليلية، من خلف طنين ذبابة، أراد أن يحدد إحداثياتها، والآن أصبحت علما يدرسه كل طالب في الرياضيات.
وحسب (برتراند راسل) الفيلسوف البريطاني في كتابه (النظرة العلمية) فإن كل النهضة الأوروبية تدين لـ 100 دماغ، ولو صفيت وقضي عليها، ما كانت هناك نهضة لا ناهضون؟
واليوم تخضع كل أوروبا لتيار عارم، بزخم لا يكف عن الاتساع، من فكر الحداثة والتنوير. مع وجود بؤر تخلف وخرافيين هنا وهناك، ولكن التيار العقلي من الحداثة هو الذي يمسك بمفاصل المجتمع ويقوده، وهو أمر شعرت به أثناء مكثي الطويل في ألمانيا حين واجهنا الفرق بين العقيدة الظنية والعلم اليقيني.. ولا الأولى كذلك، ولا يقين ولا حتمية ولا موضوعية في العلم حسب نظرية (الارتياب) عند (فيرنر هايزنبرغ)؛ بل قوانين (احتمالية) كما صاغها (جاوس) من جامعة (جوتنجن)، بخاصة في علم الاجتماع.
ولولا هذا التيار؛ لبقيت أوروبا في قبضة "الكثلكة" والإقطاع، تبيع فيه الكنيسة تذاكر في صالونات الجنة للأغنياء الفاسدين، ولما انفجر تيار الإصلاح الديني، ولبقيت تعس في ظلمات القرون الوسطى، وبقيت تعالج السعال الديكي بلبن الحمير، ويضحك (البابا) من سخف من يقول بكروية الأرض، كيف لا تسقط الأشجار من تحت، ويعالج الإفرنجي الرهيب بجلد الذات في البراري، واستعطاف المريخ أن يعدل مزاجه، كما فعل البابا (الكسندر السادس)؟!
ومعنى ما مر أن النهضة تبدأ من الفكر، وهو منهج القرآن أن (تغيير النفوس) هو الذي يقلب الواقع. وفي قناعتي أن هناك ثلاثة تحديات؛ أعلى من سد يأجوج ومأجوج، في وجه المسلمين، ما لم ينقب في هذا الجدار نقبا؛ فيكون دكاء، "وكان وعد ربي حقا".
أولا: شق الطريق للفكر النقدي على حساب النقلي، تأسيسا منهجيا، وربطه بالدماغ الإسلامي العام في الشارع والجوامع والجامعة، لأن من يستولي على المسجد والجامع والجامعة، ومؤتمرات تضم عشرات الآلاف في أمريكا وكندا وأوربا هم أئمة التيار النقلي، تتحدث عن عدل الفاروق، في الوقت الذي يفلق المتهم قبل إدانته في أقبية المخابرات، أو عن فواكه الجنة وهو يمشي حافي القدمين، مع الحرص المؤكد في كل مرة، على نقاوة الجو من مقلقي النوم العام.
ثانياً: ومن أهم أولويات تعميق العقل النقدي، تناول مشكلة العنف وفكها عن فكرة الجهاد الإسلامي، التي هي بوجه آخر إحياء للخوارج من قبورهم، وإحياء مذهبهم كما في حادثة الردادي وأمثال

المزيد


الاقتصادية: كل منا متحيز.

يونيو 16th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الإنسان, الديمقراطية, المعرفة

بقلم: خالص جلبي

أبغض شيء على النفس الانتقاد، ولا تسكر النفس بخمر كالثناء، ويتخدر بعض المسؤولين بمورفين القوة فيبدأون بالهلوسة مثل متعاطي المخدرات. ويقول المثل أن كرسي المسؤولية يصيب صاحبه بالصمم. ولايمارس المجرم عمله دون تبرير كاف. الطبيعة البشرية تقوم على اعتقاد كمال الذات. مع هذا يبقى تقبل النقد مشعراً للنضج، وضبط النفس عين التقوى، ولكنها فضيلة صعبة الاقتناء مستحيلة المحافظة عليها بسبب الضعف الإنساني الذي لا يصلحه إلا النقد المستمر والمراقبة الدؤوبة. رأى الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) أن (السلطان) هو القوة الاجتماعية المحورية، كما كانت الطاقة في الطبيعة، والجنس في البيولوجيا. من شحنة كهربائية عالية التوتر في هيئة صاعقة، أو عضلات متوترة في جسم رياضي، أو طاقة روحية في تجليات فيلسوف مبدع، أو تدفق الرفاهية في مجتمع متقدم. القوة الاجتماعية تتظاهر بأكثر من شكل من القوة العسكرية أو المالية أو النفوذ والهيمنة السياسية والسيطرة على الرأي العام. وكما عرفنا تحول الطاقة في الفيزياء من شكل لآخر، كذلك جرى قدر السلطان الاجتماعي في تبدله من حال إلى حال؛ فالنفوذ يجني المال، والمال يفضي إلى التسلل لمفاتيح الرأي العام، والقوة العسكرية تفتح الطريق للاثنين معاً، والمماليك حكموا مصر خمسة قرون. لم يكن عبثاً أن ربط القرآن بين السلطان والمال (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه). القوة كمية حيادية ويمكن أن تخدم القوة أو الحقيقة. الصنم أو الفكرة. وتبقى (النتيجة) هي التي تحكم على أداء القوة. ومن ثمراتهم تعرفونهم فلا يُجتنى من العنب حسكاً أو من التين شوكاً. عندما يختلف الناس يتجادلون. ويمكن أن يبقوا خارج باب الحل ألف

المزيد


الاقتصادية: مذبحة فيرجينيا في ربيع 2007م.

يونيو 4th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الجريمة, العدالة, العنف

بقلم: خالص جلبي

مع تفتح شقائق النعمان في لون الأرجوان في الجولان، كان اللون في أقصى الأرض أيضاً أحمر قانياً، من دماء 32 شابا جامعيا، في ولاية فيرجينيا، مرة أخرى بيد رجل مصاب بـ (الأموك لاوف Amoklauf)، وهو مرض يقع في إندونيسيا، يقتل فيه المصاب به كل من حوله ولو كانوا أطفالا أو قططا، ثم يقتل نفسه.
وحمدنا الله أنه لم يكن إرهابيا عربيا؟ كذا.. بل أمريكيا ينز أمريكية من ثقافة مريضة مشبعة بالعنف، تتجلى في أبشع الصور من حين لآخر، في دلالة لا تسر الناظرين، على أن المجتمع الأمريكي مريض إلى قراريط أذنيه، بدءا من (وولفويتز) الذي يحقق معه من أجل امرأة باع قضيته من أجل النوم معها، أو هذا العفن الجديد من العنف المتأصل، في بيئة تروج الفاحشة والقتل في أفلام مريضة، تنتج على مدار الساعة من مصاص دماء من نوع دراكولا، أو قاتل بالجملة، أو حيوانات بريئة مثل العناكب، يقلبون طبيعتها لتصبح للشر مسخرة، وهي دلالة الشر في فكر منحرف وثقافة ضالة..
والآن مع صدمة المجتمع الأمريكي، تنقل التوابيت إلى القبور مهجا كريمة على أهلها، محبوبة ممن حولها، ولكن لو بكى أحدنا بقدر نهر كولورادو وسانت لوران في مونتريال والفرات في الشرق المنكوب، ما استطاع أن يعيد الحياة إلى فرد واحد، ممن دلفوا إلى الأبدية.
وإذا كان ثمة فائدة في الحدث، فهي دراسته مثل دراسة الطاعون والبلهارسيا والملاريا المتوطنة، ومعرفة الوحدة المسببة للمرض، ووضع الترياق واللقاح ضدها، كي لا يتكرر..
وكان أول تعرفي عليه عندما كنت في ألمانيا عام 1982 فاعتقل رجل معتوه، مجموعة من صبية مدرسة ابتدائية وبدأ بقتلهم ومعلمتهم، قبل أن ينحر نفسه، فيقف بين يدي رب العزة والجلال، ليسأله: وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت؟
ولقد أثارني موضوع القتل في المدارس والجامعات وتتبعت هذا الموضوع وما زلت، في محاولة رسم إحداثيات ثلاث: أين يقع وكيف يقع ولماذا يقع؟ في محاولة اكتشاف البنية (النفسية ـ الاجتماعية) لوقوع مثل هذه الكارثة..
وهذه الحادثة ليست الأولى بين أفظعها عام 1966م مع مصرع 16 شخصا أم الحالية وهي الضعف، ولم نستغرب أن يقفز الرقم إلى المئات بعد عشر سنين، ولكن علينا أن لا نفرح كثيرا ونشمت بأخبارهم، ففي العراق في الأيام نفسها حين مصرع 32 في فيرجينيا، كان عدد قتلى التفجيرات في بغداد الرشيد 172 قتيلا ومئات المقطعين والمشو

المزيد


الاقتصادية: خريف الفلسفة الإسلامية.

مايو 31st, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الإنسان, التاريخ, العدالة, العلم, الفلسلفة, القرآن, المعرفة

بقلم: خالص جلبي

ارتبط اسم الفيلسوف الأندلسي (ابن طفيل) بقصة (حيي بن يقظان) وعاصر الفيلسوف المشهور (ابن رشد) الذي امتحن ونال العذاب والنفي وسخط المجتمع ظلما ومات بعد موت الفيلسوف (ابن باجه) الأندلسي بسبعة وأربعين عاماً أي نحو نصف قرن. وهذه الكوكبة اللامعة من الفلاسفة الثلاثة يعتبرون منارات هدى وشموع أضاءت خريف الحضارة الإسلامية في الجزيرة. ويذهب الفيلسوف المصري (عبد الرحمن بدوي) إلى أن ما كتبه العرب هو الذي حفظ الفلسفة اليونانية. وهناك بعض النصوص التي كتبها الفيلسوف اليوناني (أرسطو) ضاعت في أصلها اليوناني وحفظت في الأصل العربي فقط. وأجمل ما في (ابن رشد) و(ابن طفيل) أنهما تعاصرا والذي قدم ابن رشد إلى الملك الموحدي أبو يعقوب كان ابن طفيل وطرح عليه الملك المثقف يومها مسائل في (الكوسمولوجيا) علم الكون فلم يتجرأ أن يصرح بأفكاره كثيرا لمعرفته التامة بالوسط الدوغمائي المتشدد. ففتح الملك صدره وطمأنه وبدأ يناقشه في بعض المسائل الفكرية فأدرك ابن رشد وقتها أن الملك الموحدي قد قطع شوطاً في هذه العلوم فلم يتحرج في مطارحته الأفكار، ونشأت بعد ذلك بين الرجلين صلة جيدة ولكنها لم تعمر بسبب الوشاة والمحرضين ورسا مصير ابن رشد ـ كما ينقل لنا التاريخ ـ في قرية (الليسانة) اليهودية منفيا مشرداً محطم القلب. ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. وكان موت ابن رشد في عام 1198 م في حين مات ابن طفيل في عام 1185 م بعد قرن من سقوط العاصمة التقليدية لشبه الجزيرة أي مدينة طليطلة. أما ابن باجه فمات في عام 1138 ومات الثلاث

المزيد


إيلاف: الانتخابات الرئاسية في سوريا عام 2007م.

مايو 30th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الإنسان, التاريخ, الديمقراطية, السياسة اللاعنف, العدالة, القرآن, المعرفة

بقلم: خالص جلبي

أثناء زيارتي إلى موطني الجديد في كندا،  بعد أن غادرت ديار البعث، ربما إلى يوم البعث، كما حصل مع هوجنوت فرنسا في رحلتهم الملحمية إلى هولندا وبرلين، أو البلاشفة البيض إلى باريس.. قمت بزيارة عائلة من الدياسبورا السورية، وأثناء العشاء طرحت سؤالا على الحضور وكنا ستة أشخاص: أرجو قراءة مستقبل سوريا بعيدا عن الإحباط أو إلقاء الظلال النفسية من هموم أو طموحات وتمنيات.
إلى اين يمضي هذا البلد المنكوب، مع دورة انتخابية رئاسة مزورة جديدة، لبيعة جديدة، تذكر بأيام الماليك البرجية، والملك سعيد جقمق ؟
قال الأخ صادق: فقط أريد أن تتغير عائلة الأسد التي تذكر بحكم ملوك فرنسا، أو فترة بريجينيف المملة وهي طبعاً أطول؟ ولكن حسب ما أرى فإن الإمبراطور حافظ الثاني جاهز؟؟
نظرت في سيدة مثقفة في الصدر قلت وأنت كيف ترين الأمور؟ قالت التغير قانون كوني وسوف يتغيرون، ربما ليس في سنوات قليلة، ولكن التغير قانون كوني؟
قلت معقبا قانون هيروقليطس عن قانون الصيرورة؟ أومأت برأسها إيجابا..
قالت إيناس زوجة صادق: أما أنا فأظن أنهم باقون أبد الدهر مثل دورة المريخ وزحل؟
 وظهر في عينيها إحباط ويأس لايرفعهما شيء.
قالت سيدة رابعة تعمل في القانون: الموضوع متفاوت فقد يحصل تغير وقد لايحصل شيء، واترك الأمور تأخذ مجراها تأخذ قرونا، وتدخل فيها فلسوف تتغير في عشر سنوات، ولكن مع الانتخابت الجديدة نكون قد دخلنا نصف قرن من ظلمات البعث؟
 وكان آخر في الجلسة يحدق بإحباط في هذا الظلام بدون شمعة.. بعد أن أصبحت مدينة مونتريال، تغص بالعرب الهاربين في مثل هذه الظروف الجهنمية، بدون أمل في الخلاص من قبضة أنظمة، لاترقب في إنسان إلا ولا ذمة..
وفكرت أنا في نفسي مرتين؛ أن نفس هذا الرجل الذي يتمنى الخلاص من حكم الأسد، لو كان في القطر المنكوب لربما صوت بنعم وهو يبرر لنفسه، كما حصل مع عائلة سورية تعرفت عليها في السعودية، حين قالت لي بفرح في انتخابات سابقة أنه يمكن أن ترسل بالفاكس نعم؟!
فلما سألتها هل فعلت أنت ؟؟
فتحت لي صفحة كبيرة بكذب أكبر قالت نعم وكان في الصفحة:
(في مثل هذا اليوم الأغر من المحبة المتدفقة والشمس تشرق والطيور تغرد أصوت بدمي بنعم؟؟؟ الخ ..)
قلت لها وهل أنت مقتنعة بهذا؟ أم تكذبين؟؟
 بلعت ريقها بصعوبة. وصرخ زوجها من طرف آخر أنت السبب؟
قلت لها: وأنتم تصوتون بنعم، تلعنون في قلوبكم الحاكم والعصابة؟
أجابت بصعوبة نعم؟
قلت لها ألا يمكن أن لاتكذبوا ولا تلعنوا ؟؟ سكتت ولم تحر جوابا ..
وهنا تذكرت (أبو عبدو) أمين الحافظ حين جاء لأخراجنا من سجن المزة بعد سجن مرعب دام 39 يوما وكنت يومها طالبا جامعيا نجوت من الموت بإعجوبة، في أحداث الأموي عام 1965 م، كيف صفق له الجميع. وأنا أنظر في الرجل ومن حولي متعجبا؟؟
هز أبو عبدو رأسه وأشار بيده : كفوا عن التصفيق.. لانريد أن تصفق لنا أيدكم وتلعننا قلوبكم .. وكان صادقا في هذا ..
والأمر الثاني فكرت في نفسي أن السؤال يجب أن يطرح على شكل مختلف؛ لأننا نريد الخلاص، ولكن من سيكون بدلا عنهم؟
 هل لو كنا محلهم  سيتغير الأمر كثيرا؟؟
فهذه الجالية العربية المتدفقة إلى كندا، تذكرني وأنا أسمع خطبة الجمعة في جامعة كونكورديا، بأيام عصر مابعد الموحدين ، ولم يكن ينقصهم سلاسلة باللغة الأنجليزية، ولكنه نظم الخطاب اذلي لم يتغير منذ أيام المماليك؟
وهذا يعني أن نفس مشكلة بني إسرائيل مع موسى، نكررها بشكل مختلف، فهم رأوا أن الأمور لم تتغير كثيرا مع مجيئه، وهو المرسل من رب العالمين؟
قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا؟
فكان جواب موسى انقلابيا محوريا؛ أن العبرة ليست في زوال فرعون، بل من سيخلف فرعون؟
قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون؟؟
وهذا الشيء واضح مع الجالية العربية في كندا، فلو كان الأمر إليهم في تنظيم أمور مونتريال ربما حل بها الخراب، ولأن الأمر ليس في يد الجالية العربية المحبطة الفارة من ظلمات البعث وغير البعث، نجت المدينة والنظام، لأن المشكلة أكبر من البعث؛ فهذا فرعون مصر يهيء بيبي الثاني من بعده، وهذا إمبراطور اليمن يجهز ابنه من بعده، وفي ليبيا بلغ من وقاحة الساعدي ابن القذافي أن تخافه الفنادق في أوربا حيث حل.. وعائشة تنتظر العرش..
وهناك من يقول في مونتريال حيث العرب لا أريد أن أسكن؟
وهو لون من كره الذات عميق، ومن الفردية مخيف، بعد أن تمكنت مخابرات الأنظمة العربية من نفسية المواطن العربي..
ما يكون من نجوى ثلاثة، ألا والمخابرات رابعهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم، ثم ينبئهم بما عملوا في أقبية االفروع الأمنية، ولو كانت من شكوى امرأة، طلقها زوجها قبل عشرين سنة؛ فكتبت في حقه شكوى كيدية، كما حدث معي مع فرع الأمن السياسي في دمشق، وكنت محظوظأ ان نجوت من الفلق والحبوس، ولكن كنت شاهدا لمناظر الرعب والوجوه الممتقعة البيضاء.. 
وهذا يعني أن أزمتنا أبعد وأعمق بكثير من الاقتراب من انتخابات نزيهة تعددية عادلة ..
فهذه مسلمات يجب التخلص منها؛ مثل خرافة الانتخابات في العالم العربي، وأنهم وصلوا إلى شاطيء الحرية بسلام، وأنهم دخلوا عصر التنوير، أو أن أمريكا جاءت لزرع الديموقراطية…
 وهم بهذا يرتكبون ثلاث أغلاط طبقاً عن طبق؛ فأمريكا ليست عندها رسالة بل مصلحة. وهي تنسف طاغية وتحافظ على طواغيت، حسب مقاييس البنتاغون، أكثر من مقاييس العدالة والحرية والديموقراطية، وهي قصة معروفة ومكررة، كتب عنها (نعوم تشومسكسي) كتاباً كاملاً ـ محبطاًـ بعنوان (ردع الديموقراطية). 
ومن دخل عصر التنوير من باب السياسة دخله من الباب الخلفي، وحينما كان الفيلسوف (إيمانويل كانط) يكتب رسالته حول التنوير (Die Aufklaerung) لم تكن هناك انتخابات في ألمانيا.
كما أن الانتخابات لا تعني الديموقراطية، فليس هناك من مكان تزور فيه الانتخابات مثل جمهوريات الخوف والبطالة

المزيد


الاتحاد: إرضاع المراهق وأزمة

مايو 30th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, التاريخ, العلم, القرآن

بقلم: خالص جلبي

في مونتريال الكندية حيث ينفجر الربيع فجأة، خلال أيام في خضرة ساطعة تحتل الشبكية بإصرار، قال لي صديقي "أحمد صالح"، ونحن نمشي في شارع "شيريبروك" الشهير، هل سمعت بخبر العربية؟ قلت له: لا! هز رأسه وعقّب: إنه الجنون بعينه؟ قلت عن ماذا؟ قال قصة رضاع المراهق، والذي بموجبه يمكن حل مشكلة الخلوة بين رجل وامرأة، فليس عليه سوى مص ثديها لتحرم عليه؟ لقد جاء هذا في حديث وفتوى من رجل أزهري؟ ولقد بلغ عدد التعليقات ما يزيد عن 1600 تعليق.

هززت رأسي لأن القصة ليست جديدة عليّ، فقد قرأتها في كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة" لصديقي "عبد الحليم أبو شقة" الذي كان يحمل أكداسا من كتب الصحاح والتفسير، أثناء زياراته المكوكية لي في ألمانيا، فيأنس بالثلج والبرد وغيوم السماء، وتقوم زوجته "ملكة" التي ترافقه كملكة وملاك رحمة، تعد له فنجانه المفضل من القهوة، ثم ينكب على مشروع القرن في تحرير المرأة المسلمة من جديد…

لقد استفدنا من ذلك الرجل كثيراً، والذي قال "الغزالي" عن كتابه، إنه كان يجب أن يصدر قبل قرن، وهو كتاب لم تعن به "الانفوميديا" المشغولة بدجل السياسة ومغامرات رجال الحكم والمال.

كان "أبو شقة" رحمه الله يكرر بدون ملل: ما أفعله أنا هو سرد النصوص ومواجهتها فقط، ولسوف نعثر على كنز غارق في بحر لجي، مذكراً بقول العالم الأميركي "جيلبرت" الذي كان يتحدث مثل الصوفيين عن مشروع "الجينوم البشري" قبل وصول الجني "فينتر" إليه وانتشاله!

لقد لفت نظري حديث "رضاعة المراهق" من يومها، عن شاب أرادت صحابية قريبة له أن تحل مشكلة الخلوة معه، وكان من الطوافين عليهم أقرب للمحارم، فذكر الحديث حلاً جريئاً وواقعياً يفهم في ضوء أنثروبولوجي وتاريخي معين، ولم يكن الحديث الوحيد. وحين كنا نذكره للبعض كا

المزيد


إيلاف: في ذكرى مصرع الشيخ معشوق الخزنوي.

مايو 29th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الإنسان, التاريخ, الديمقراطية, السياسة اللاعنف, العلم, القرآن, اللاعنف, المعرفة

بقلم: خالص جلبي

جاءتني من أخت فاضلة كردية تعمل في الصحافة تسألني رأيي في الشيخ معشوق الخزنوي، الذي قضى نحبه بيد المخابرات السورية، كفكر وحدث وجريمة، بعد أن تم رسم سيناريو عجائبي عن ظروف موته، أنه إنه قتل على يد جماعة سلفية في حلب، ليدفن بعدها في مدينة دير الزور، بعيدا عن مسقط رأسه، في قرية تل معروف التابعة لمدينة القامشلي، وينقل جثمانه إلى القامشلي فيما بعد، وهو ما يذكرني بفلم (فان توماس) العجيب؟ أو اختفاء الملك الأموي هشام المؤيد مرات ميتا ثم يبعث من اللحد؟؟ وعندما قتل الشيخ الخزنوي فليس لأنه كردي، فهذا تسرع في الحكم، بل لأنه شكل خطرا مميتا على الطاغوت فكان لابد من التهامه..

وخلاصة القول في موت واختفاء معشوق الخزنوي أو باقر الصدر أو موسى الصدر أو حاليا ميشيل كيلو الذي استقدم الأنجيل من زوجته كي يموت في سجن البعثيين في دمشق.. فالشيخ الخزنوي ليس بدعة من الرسل والمصلحين، فهناك الكثير من الأنبياء قتلوا، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، والمسيح وصل لحافة الصلب بدون صلب، ليختفي في ظروف أشد عجبا من اختفاء معشوق أو الإمام الأثني عشر، فهذه هي قصة مكررة في ظلمات الاضطهاد السياسي، ولقد أعملت الذهن جدا في هذه المسألة، فانفتح لي نور من روزنة التاريخ.. فأقول وبالله المستعان..

قبل أن يموت (تشاوسسكو) بأربعة أيام سئل عن الأوضاع في رومانيا وكان في زيارة إلى طهران هل يمكن أن تتأثر بالإعصار الذي يدمدم في شرق أوربا وتتساقط فيه تباعاً عروش الملوك الحمر ؟ قال : سلوا شجرة التين هل تنبت حسكاً ؟ صحيح أن من حولي تساقطوا ولكنكم لا تعرفون الشعب الروماني وقيادته الحكيمة. وعندما سألوه عما يحدث في مدينة (تيمي شوارا) والعصيان المدني خلف قس مغمور؟ قال: أما القس الذي حرض على الشغب فهو أخرق مأفون وأما من حوله فهم شرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون. وبعد أربعة أيام كان يحاكم ويعدم ولا يعرف قبره. وانطبقت عليه دورة التاريخ فأخرجوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيه فاكهين كذلك وأرثناها قوماً آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.

وأما شاه إيران فقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه وظن أن لا ملجأ من الله إلا أمريكا فخذلته ورفضت استقباله مع أنها هي التي صنعته على عينها. وعندما تشفع لأولاده أن يتابعوا دراستهم سمحت لهم بدون رفقة الوالدين. وعندما شكا من المرض قالوا له بعد وساطات وتوسلات إنها إقامة للعلاج فقط فإذا قضيت خرجت ولم تعقب. وبعد العلاج دفع بعربة من البوابة الخلفية للمستشفى فخرج من حيث تخرج النفايات وتدخل البضائع. وعندما أصبح في (باناما) عند ديكتاتور صغير قطعوا عنه التلفون وبدأوا يخططون لتسليمه للحكومة الإيرانية الجديدة. وعندما أوى في النهاية إلى طاغية مثله بكى سوء الحال وانقلاب الزمن وتنكر الأصدقاء ونفض أمريكا يدها منه إلى درجة أن أفردت له ملفاً بعنوان (الخازوق) وأن يخاطبه مسئول أمريكي بقوله: يا صاحب الجلالة يظهر أنك مختل عقلياً. وأن يبتلع أحد سماسرته سبعين مليون دولار بضربة واحدة فيعض الشاه على أسنانه محنقاً إنها سبعين مليوناً فهل ضاعت في أنابيب المجاري.

وفي النهاية كاد أن يموت الشاه غيظاً فحبس نفسه في حجرة عندما علم أن رجل أعماله (بهبهانيان) اختفى مثل الملح في الماء بمئات الملايين من الدولارات وهو لا يستطيع أن يقاضيه أو يرفع عليه دعوى لأنها كانت صفقات سرية.

روى كل ذلك (حسنين هيكل) في كتابه (زيارة جديدة للتاريخ). وفي مصر فتح يديه بالهبات والمجوهرات التي كان يحملها معه في حله وترحاله عسى أن تؤلف القلوب، وقيل أنه حمل معه من ثروة إيران ما زاد عن خمسة مليارات دولار، واعترف مسئول بنكي سويسري بثروة له زادت عن عشرين مليار دولار، وكانت أربع حقائب كبيرة محشوة بالكنوز لا تفارق عيناه حتى قبل موته بلحظات عسى أن تنفعه يوم الزلزلة. فما أغنتهم عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب. وفي النهاية مات بالمرض الخبيث وأصبح سلفاً ومثلا للآخرين.

 إن أمريكا تستخدم الطغاة ولا تحبهم فهي تصيخ السمع لخونة الشعوب ولكنها لا تحب الخائن وتعرف أن دور الجلادين لا يزيد عن (ممسحة زفر) فإذا انتهى دورهم رسا مصيرهم حيث ترمى أوراق المهملات التي نظفت القاذورات لتصبح مع القاذورات وبئس القرار.

"

المزيد


إيلاف: السرطان الحزبي.

مايو 18th, 2007 كتبها non_violence نشر في , الإختلاف, الإنسان, الديمقراطية, السياسة اللاعنف, العدالة

بقلم: خالص جلبي

اجتمع رجال الحزب وقرروا، ثم أوعزوا  إلى رجال المخابرات أن يرتدوا عباءات القضاة بلون أسود يذكر بالموت، ثم أصدروا حكمهم على الدكتور كمال اللبواني وميشيل كيلو وعبد الستار قطان ومحمود عيسى وسليمان الشمر وخليل حسين، بسجنهم ما بين ثلاث سنوات وخمس عشرة سنة بتهم واهية، ليلحقوا بمن سبقهم كالدكتور عارف دليلة والمعتقلين الأكراد وآخر من شكله أزواج..
وقصة القضاء الثوري، لا تختلف عن فتح فرع جديد للمخابرات، الأول للجلد والتعذيب، والأخير لإصدار الأحكام بلون قانوني.
 وهو يذكر بكتاب (الفافوش في أحكام قراقوش)..
وبالطبع لا بد من مباركة الأحكام بفتوى من رجال دين بعمائم مختلف ألوانها وغرابيب سود..  
وفي يوم كان مفتي الديار العثمانية يفتي بخنق كل أخوة السلطان، حين يعتلي العرش سلطان…
وحين أسمع الاحتجاجات؛ أتذكر موقف الدول العربية من جمعية الأمم المتحدة، في الاعتداءات الإسرائيلية، من الشجب والتنديد، مطالبين بإصدار قرار لاتزيد قيمته عن الحبر والورق الذي خرج به؟
وهو يذكر بقصص (العقروق) الضفدع حسب لهجتنا المحلية؛ فقد بصق قوم في وجهه فضحك وقال: كل مياه المحيطات لم تبلل وجهي فماذا سيفعل بصاقكم أيها الرفاق؟؟..
وأتذكر من المرحلة الثانوية عندما بدأ سرطان الحزب الواحد ينخر عظامنا، وكما تفعل الطواعين فتحصد الأمم فقد حصد الحزب القائد عقول جيل بأكمله.
وكان على الطلبة أن يرددوا شعار الحزب مع كل صباح تحت مراقبة مخابرات الحزب، بعد أن تحول الحزب كله إلى فرقة مخابرات.
وكان الطلبة يحركون شفاههم مثل قراءة التمائم لدفع مس الجان، وإذ وجدوني مطبق الشفاه بعناد، كانت عقوبتي أن أزحف على الأرض مثل الزواحف زحفاً.
فكان إنجاز الحزب القائد ثلاثاً: تحويل المواطن إلى زاحف صحراوي أو نبات بري. ومصادرة كل الآراء لرأي واحد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. وحراسة الأفكار بالإرهاب.
ولكن الإنسان يتمرد. ومن يقتل الأمة ينقل القتل إلى بيته. وآية الفشل على أي نظام أنه لا يقوم إلا على أعمدة الإرهاب. وقد يجلس الإنسان مستريحا في أي مكان إلا على رأس الحربة ما لم يوضع على الخازوق؟
وبعد أن حصد الطاعون الحزبي كل العقول لم يبق في المدينة إلا منافق أو متهم بالنفاق، ومن لم ينتسب للحزب طرد من جنة الرفاق مذؤوما مدحورا، ولكن تحويل الأمة إلى حزب لا يبق حزبا ولا أمة!!
وفي يوم زارني صديق كنت أرى فيه رشدا وبرفقته ابنه قلت له هل انتسبت للحزب؟
رد بفرح نعم لقد انتسبت للحزب القائد ووالدي أمرني بذلك؟
وهذا الصديق ينتقد الأوضاع، ويناضل بين أربع جدران، ولكنه يصفق للحزب في كل مناسبة؟
فهذا هو الإنسان المسخ الذي أنجبته الأحزاب العقائدية؟
وزارني في يوم طبيب استشاري لا تنقصه الحكمة، فحدثني أكثر من ساعة في التاريخ والفلسفة والجغرافيا.
وعندما سألته عن انتخابات التزوير التي يشرف عليها الحزب القائد؟ قال بدون تردد سأكتب نعم؟
قلت له فإن طلب منك السير في المظاهرات  والهتاف إلى الأبد بحياة القائد: قال بدون تلعثم سأكون أول المصفقين؟
ونحن نقرأ في القرآن أن عبد الطاغوت هم بين القردة والخنازير.
وزرت سيدة فاضلة فاستقبلتني بفرح، وقالت: عندي خبر سار لك، وكانت الانتخابات المزورة حامية، وهو ما سنواجهه قريبا، فقالت يمكن أن ترسل بالفاكس موافقتك إن أحببت؟
قلت لها وهل فعلت أنت؟
 قالت نعم؟
قلت هل يمكن أن أطلع على ما أرسلتم فأستفيد منكم؟
فوضعت بين يدي ورقة بخط يدها: في مثل هذا اليوم الأغر، والشمس تشرق، والطيور تغرد، والربيع يزهر، أوافق بالدم على بيعة السلطان إلى الأبد؟
قلت لها: طبعاً أنت وزوجك تكذبان؟
قالت ببقية من حياء: نعم .
قلت ولكنكم في قلوبكم تلعنون؟
بلعت ريقها وقالت: نعم؟
قلت لها هل يمكن أن لا تلعنوا ولا تكذبوا؟ سكتت فلم تحر جوابا؟
 فهذا هو نموذج الإنسان المشوه المريض الذي تفرزه جمهوريات الخوف والبطالة.
وفي يوم الانتخابات المزورة تقدم شاب مجنون فكتب (لا) على ورقة الانتخابات وكان مشرف الصندوق يراقب الأوضاع بأفضل من عيني ثعلب في الظلام قد أقسم على الله أن يقدم صندوقه بدون ورقة (لا) واحدة فعمد إلى ورقة الشاب المجنون فغيرها بخفة يد لص إلى (نعم) فانتبه له الشاب فشتمه فألقي القبض عليه بتهمة سب موظف نزيه يؤدي عمله على أفضل وجه وليس لأن الديموقراطية غائبة عن البلد فالبلد يسبح في الرفاهية والديموقراطية؟ ولكن الفروع الأمنية في كل البلد ارتجت. فالزلزال قد يبدأ من نقطة صدع في الأرض. وحرائق الغابات تبدأ من شرارة.
وفي يوم كنت عند رجل وصل إلى رتبة عسكرية عظمى ولا ينقصه عقل فقلت ما أنت فاعل بانتخابات الحزب القائد؟ قال ليس لنا إلا حزب واحد وقائد واحد وليس عندنا غيره. قلت له هب أن القائد مات؟ قال سنصبح أيتاما؟ 
وفي يوم دخل (رفيق) حزبي إلى الصف فقال هل من أحد لم ينتسب للحزب بعد؟ رفعت طالبة إصبعها. قال لها حسنا فلسوف نعطيك استمارة الانتساب للحزب. قالت هل الانتساب للحزب إجباري؟ صعق الرفيق من الجواب فلم يعتاد إلا هز الرؤوس في جو الشخير العام. اضطرب وهمس بصوت كفحيح الأفاعي وقال: طبعا ليس إجباريا ولكن الحزب يعطيك مزايا أسطورية: فتحتلي أفضل وظيفة بدون سهر الليالي. وتدخلي الجامعة بعلامات قليلة بالانتساب لفرقة المظليات. وترسلي في بعثات خارجية بدون تعب ونصب. فترجعي أستاذة جامعة معتبرة. ولا تنس الدخل الإضافي من كتابة التقارير السرية؟ قالت الطالبة بإصرار: طالما كان الانتساب للحزب ليس إلزامياً فلن انتسب للحزب. ارتعب (الرفيق) فهذه إهانة في حقه أن تعبه في سنوات ضاع سدى وعقول الشبيبة لم تتطهر بعد من فيروس (لا) فالمواطن قد اعتاد قول (لا) دوما ولولا التشهد لكانت لاؤه نعم؟ أحال الرفيق الموضوع إلى المدير ثم إلى اللجنة الحزبية في المنطقة قبل أن ينتشر فيروس (لا) فيهلك الطلبة بوباء الاعتراض. واجتمع رجالات الحزب لدراسة حالة الاستعصاء ورصدها وتجهيز اللقاحات والمصول الواقية من فيروس (لا) قبل أن تحترق الغابة الحزبية كلها.
والقصة تحكي ثلاث أمور:
1 ـ أن المرض العربي ليس من أمريكا بل ص

المزيد


التالي