يوليو 4th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , التاريخ, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
إذا كان الواقع البشري هو محصلة طبيعية للأفكار السائدة والنظام العقلي المسيطر، فإن وضع العالم الإسلامي غير السار اليوم يعود إلى النظام المعرفي (الابستومولوجيا) والعقلية التي تحرس شجرة المعرفة هذه، وهذا المرض الثقافي ليس ابن اليوم، بل هو محصلة تراكمية عبر القرون، مما أورث العقلية مجموعة من الأمراض المزمنة التي أصابته بالكساح.
يعاني العالم الإسلامي اليوم من مشكلة (تحدٍ) ثلاثية الأبعاد، وكل منها يعتبر مشكلة أو تحدياً عويصاً بحد ذاته.
الأولى: عظمة الماضي وهزال الحاضر، فالمسلمون أبناء حضارة ضخمة، وكان دورهم في التاريخ دوراً قيادياً ورائداً، واليوم يمثلون ليس مركز العالم، بل دول الأطراف العاجزة عن حل مشاكلها، فالفرق عميق بين الهدف والواقع، بين الإمكانيات والإرادات، وما حدث في البوسنة والجزائر وأفغانستان والعراق وفلسطين… دليل على عجز مروع، وشلل مخيف في الجسم الإسلامي الممتد من طنجة حتى جاكرتا.
والثانية: الفجوة المعرفية التراكمية بين قمة العالم الحالي وبين العالم الإسلامي، فالأخير لم يدخل المعاصرة تماماً ولم يتمكن من أسرارها، بل هو في حالة "فقد توازن" أمام إعصار الحداثة الذي دخل بيته، وأدخل معه الفوضى، كما نسف كل الطمأنينة السابقة التي كان يحياها.
والثالثة: أننا عقلياً "دون مستوى القرن الثالث الهجري"؛ ففي الوقت الذي كان العقل المسلم يتألق في حلقات المسجد العلمية، ويدرس فكر عصره، ويصدّر نتاجه العلمي، فنحن لا نستطيع اليوم حتى بناء مناخ عقلي يشابه ذلك الذي شهدته تلك القرون. لقد بنوا المعاصرة وعاشوها، ونحن تغزونا المعاصرة وتقتحم علينا عقولنا، ونصدها. وهكذا فعجزنا ثلاثي المستوى: بين ما نريده ولا نملك إمكانياته، بين الغياب عن التاريخ وما حدث فيه، وبين فقدان الذاكرة التاريخية… فنحن لا نعرف حتى ذاتنا!
والسؤال: كيف حدث هذا، ولماذا حدث، وفي أي ظرف تاريخي؟
لا يمكن معرفة واقع العالم الإسلامي المريض، إلا ضمن قانون "الصيرورة التاريخية"، فالسقوط والتمزق الحالي هما ثمرة لأفكار تشكلت عبر القرون، ولذا لابد أولاً من الغوص في بطن التاريخ لملاحقة الأحداث وارتباطاتها، إذ علينا أن نتتبع المسارات التاريخية لفهم
المزيد
يوليو 3rd, 2007
كتبها non_violence
نشر في , التاريخ, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
كتبت بحثا عن علاقات القوة والمثقفين، وأن المثقف هو من حمل الحق في وجه القوة، وهو بتعبير القرآن أهل الكتاب وحملة العلم، وأهل الكتاب ليسوا اليهود والنصارى فقط، بل كل المثقفين، وأهل الكتاب من العهد القديم حملوا الحق، ثم أصبحوا مثل الحمار يحمل أسفارا، وهو مرض يخص أهل أي كتاب، ولا يخص اليهود والنصارى، والقرآن صريح في هذا فيقول عن أهل الكتاب الأقدمين إنهم زعموا أنهم حبايب الله وأولاده، فيجيب فلم يعذبكم بذنوبكم؟ ويطرح السؤال نفسه حولنا؟ لماذا يعذبنا الله شيعة وسنة في العراق؟ وسنة ضد سنة في مصر وأفغانستان والجزائر، وفي ليبيا لايوجد شيعة وسنة، ولكن الناس في القنوط والخوف الدائم مقيمون، لايعرفون صرفا ولا عدلا عن وباء الطاغوت والجبت.. فلما قرأ أخ تحليلي التاريخي كتب لي يقول:
بعد أطيب التحية وأرق السلام
لقد قرأت أطروحتك الرائعة التى أرسلتها لي المعنونة بـ"المثقف وعلاقات القوة"، ولعل هناك تساؤلا يتجول حائرا ويقطع الطريق ذهابا وعودة في ممرات فكري منذ لحظة قراءتى لها ألا وهو: إذا كان في الزمن القديم كان الإنسان البدائى يقتل البدائى الآخر ليعيش على جيفته, وبعدما تقدم الزمن آلافا من السنين جاء العباسيون وقتلوا الأمويين, والمرابطون انقضوا على الموحدين ثم التفتت والاقتتال بين الشيعة والسنيين، وكذا في القارة العجوز فقد كانت قديما تموج فى ظلام الجهل وسيطرة الكنيسة على المقدرات المحدودة للمجتمعات والاقتتال والعنف والدمار وبعدما توالت السنون كانت الحرب العالمية وما صاحبها من دماء وآهات وجروح والآن حرب اقتصادية ضروس وحياة سيطرت عليها المادية وطغت الرأسمالية بأمقت صورها على اقتصاديات المجتمعات ، أما في عالمنا العربي الأغر فكانت حقبة القومية العربية المزعومة وظهور إسرائيل كقوة لا يستهان بها على مسرح العالم- وحقيقة الوضع بيننا وبين إسرائيل الآن يجعلني أقدر لها أنها لم تفنينا عن آخرنا بل تركتنا كحيوانات تقضي يومها فى الحظيرة بين ماء وطعام, وكلما حضر وقت الغداء أختاروا شاة واحدة ليذبحوها - ناهيك عن كل ما يمكن ذكره من مساوئ وسلبيات يمكن ذكرها من تقييد حريات وقتل الفكر واغتيال الثقافة والانحلال والانحدار الأخلاقى الرهيب والظلم بأعتى الصور وبأفدح الأساليب.
إذا كان الزمن قديما كان سيئا وحديثا أسوأ وفي القادم سيصير أسوأ وأسوأ وعلني مقتنع
المزيد
يونيو 27th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , التاريخ, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
الجراح يدخل قاعة العمليات متنكراً لا يرى منه إلا الأحداق، وخلال لحظات يدخل حفلة تنكرية؛ فيغير مهنته بين نجار وحداد وخياط وحلاق.
(نجار) في جراحة العظام قد حمل المطرقة والمسامير، يعلو جبينه العرق وتئز ماكينة ثقب العظام أزاً، أو في شكل خياط في جراحة الأوعية الدموية، تعمل إبرته برشاقة في رتق جدر الشرايين الممزقة، أو حلاق يزين الجلد كما يفعل جراح التجميل فيغطي الصلع ويمحو آثار الحروق ويرتق شفة أرنب وقبة حنك مفتوحة، أو على شكل سباك يفتح الطرق المسطومة كما يفعل جراح البولية فيحرر الطرق من حصاة حالب وحجر مثانة وتضيق أحليل.
ويعتمد الجراح في عمليته على أدوات شتى، من المشرط والملقط والخيط والمخثر الكهربي وماص السوائل، كما يعتمد النجار على المطرقة والمنشار والمسمار، وكما يحل الميكانيكي مشكلاته فيدخل إلى بطن السيارة بمفك البراغي وعمود الميزان ونافخ الإطارات.
وفي عمليات فتح (بطن التاريخ) وتفكيك إحداثيات (التراث) يجب على المرء أن يفعل الشيء نفسه، كي يحرر الوعي، ويصبح عقلانياً سننياً منهجياً فلا يتحدث كالسحرة والمجانين.
وهذا يعني أننا نحتاج إلى أدوات نوعية تعرف بالعلوم المساعدة.
وإذا أردنا تنزيل هذه الكلمات على الواقع سنرى رؤية مدهشة؛ فالساحر يدمدم بألفاظ ليس لها تفسير إلا عنده، والمجنون يتحدث بنفس لغتنا بانفكاك كامل عن الواقع.
وعندما يقول المجنون: تغديت البارحة في المريخ؟ يعتبر قوله صحيحاً إذا تم تفكيكه وفهمه على جزءين: من منظار أنه أكل، وأن هناك كوكب اسمه المريخ. ولكن جرت العادة أن المآدب لا تقام خارج الأرض؛ فخرق العادة وانفكك عن الواقع فهذا هو الجنون.
ولا غرابة أن اتهم العباقرة والأنبياء بالجنون؛ فكان لابد من شحنهم روحياً.
إن معدن النبوة شيء مختلف وهو فوق الجنون وزمع الكهَّان ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ).
وكذلك الحال في فهم التاريخ وعلم الإنسان ودينامية المجتمع.
والأدوات المعرفية لتشر
المزيد
يونيو 27th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , الإختلاف, العلم, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
يذكر جاك بيرج في كتابه (عندما تغير العالم) أن الكاهن (ميرسين)، كان يعقد في ضواحي باريس، في منتصف القرن السابع عشر، جلستين أسبوعيتين لأهم الأدمغة في أوروبا.
وفي إحدى هذه الجلسات لمع في ذهن (رينيه ديكارت) مخطط الهندسة التحليلية، من خلف طنين ذبابة، أراد أن يحدد إحداثياتها، والآن أصبحت علما يدرسه كل طالب في الرياضيات.
وحسب (برتراند راسل) الفيلسوف البريطاني في كتابه (النظرة العلمية) فإن كل النهضة الأوروبية تدين لـ 100 دماغ، ولو صفيت وقضي عليها، ما كانت هناك نهضة لا ناهضون؟
واليوم تخضع كل أوروبا لتيار عارم، بزخم لا يكف عن الاتساع، من فكر الحداثة والتنوير. مع وجود بؤر تخلف وخرافيين هنا وهناك، ولكن التيار العقلي من الحداثة هو الذي يمسك بمفاصل المجتمع ويقوده، وهو أمر شعرت به أثناء مكثي الطويل في ألمانيا حين واجهنا الفرق بين العقيدة الظنية والعلم اليقيني.. ولا الأولى كذلك، ولا يقين ولا حتمية ولا موضوعية في العلم حسب نظرية (الارتياب) عند (فيرنر هايزنبرغ)؛ بل قوانين (احتمالية) كما صاغها (جاوس) من جامعة (جوتنجن)، بخاصة في علم الاجتماع.
ولولا هذا التيار؛ لبقيت أوروبا في قبضة "الكثلكة" والإقطاع، تبيع فيه الكنيسة تذاكر في صالونات الجنة للأغنياء الفاسدين، ولما انفجر تيار الإصلاح الديني، ولبقيت تعس في ظلمات القرون الوسطى، وبقيت تعالج السعال الديكي بلبن الحمير، ويضحك (البابا) من سخف من يقول بكروية الأرض، كيف لا تسقط الأشجار من تحت، ويعالج الإفرنجي الرهيب بجلد الذات في البراري، واستعطاف المريخ أن يعدل مزاجه، كما فعل البابا (الكسندر السادس)؟!
ومعنى ما مر أن النهضة تبدأ من الفكر، وهو منهج القرآن أن (تغيير النفوس) هو الذي يقلب الواقع. وفي قناعتي أن هناك ثلاثة تحديات؛ أعلى من سد يأجوج ومأجوج، في وجه المسلمين، ما لم ينقب في هذا الجدار نقبا؛ فيكون دكاء، "وكان وعد ربي حقا".
أولا: شق الطريق للفكر النقدي على حساب النقلي، تأسيسا منهجيا، وربطه بالدماغ الإسلامي العام في الشارع والجوامع والجامعة، لأن من يستولي على المسجد والجامع والجامعة، ومؤتمرات تضم عشرات الآلاف في أمريكا وكندا وأوربا هم أئمة التيار النقلي، تتحدث عن عدل الفاروق، في الوقت الذي يفلق المتهم قبل إدانته في أقبية المخابرات، أو عن فواكه الجنة وهو يمشي حافي القدمين، مع الحرص المؤكد في كل مرة، على نقاوة الجو من مقلقي النوم العام.
ثانياً: ومن أهم أولويات تعميق العقل النقدي، تناول مشكلة العنف وفكها عن فكرة الجهاد الإسلامي، التي هي بوجه آخر إحياء للخوارج من قبورهم، وإحياء مذهبهم كما في حادثة الردادي وأمثال
المزيد
يونيو 17th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , العلم, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
عرَّف (الفين توفلر) في كتابه (الصدمة الثقافية) أنها ذات نوعين: يتمثل الأول في الانتقال إلى محيط ثقافي مغاير يصدم كل القيم المتعارف عليها، والثاني في البقاء في المحيط نفسه مع انغماره بتغيرات متسارعة تصدم كل ما اعتاد عليه العقل. الأولى في القفز إلى مكان آخر بتغيير الجغرافيا بما فيها جغرافية العقل، والثانية اهتزاز الأرض الثقافية تحت الأقدام. المحصلة في الحالتين إما بالانتقال إلى جو إعصارها وإما بانتقال الإعصار إليها فيصاب الإنسان بالدوار لانعدام التوازن. ما يفعله العلم اليوم من تحطيم المسلمات وطحن التقليد يصب في النهاية في خانة التجديد مع خسائر متوقعة يحزن عليها الجيل القديم ويفرح بها آخرون. ومع كل تحطيم لبنى الفكر القديمة يتم القفز إلى حقل معرفي جديد فينشط التقدم درجة، في جدلية لا تعرف التوقف. (اليزاروف) جراح العظام من (سيبيريا) حطَّم مسلمة أساسية في الأوثوبيديا فكسر العظم ومط معه الأوعية وما حولها من أنسجة فاستطاع أن يطيل الأقزام. وفي السويد كسر (وايدنر) مسلمة ثبات الخلايا العصبية فانتشل من بقايا الأجنة الساقطة الخلايا العصبية من اللطخ السوداء في قاعدة الدماغ وزرعها في الدماغ لمعاجة مرض باركنسون. وأفضى تطور القوة إلى نبتة السلام بتناقض غير متوقع فالحرب النووية معناها نهاية العالم. وقام الاستنساخ بزلزال جديد عن إمكانية الولادة بدون جنس. وفي 23 كانون الثاني (يناير) من عام 1999 م تم رصد توهج نجمي من عمق المحيط الكوني وقدرت الطاقة التي تولدت مع ظهوره بانفجار 2000 سوبرنوفا. فلو حدث على بعد آلاف السنوات الضوئية في مجرتنا لأزال كل صور الحياة، وعرف أنه صدر من عمق تسعة مليارات سنة ضوئية، وأنه لا يفوقه في طاقته إلا الانفجار العظيم نفسه الذي حدث قبل 12 مليار سنة، وأن مقدار الطاقة التي بثها تعا
المزيد
يونيو 16th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , العلم, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
مر الكون بثلاثة انفجارات كوسمولوجية وبيولوجية وثقافية ويعصف به اليوم انفجار علمي يمشي على وتيرة تسارع يكاد سنا برقها يذهب الأبصار. قبل 15 مليار سنة ضوئية ولد الكون من انفجار عظيم في جزء من سكستليون من الثانية في حيز أقل من بروتون واحد على شكل طاقة مهولة ثم برد فشكَّل كل المجرات، وبقي مظلماً حتى 500 مليون سنة قبل أن تلتحم الجزيئات دون الذرية لتشكل الذرات وكل الوجود المادي الذي نعرفه ومعها التماع الكون وإضاءته باحتراق الهيدروجين وتشكيل العناصر الثقيلة. وقبل ستة مليارات من السنين تشكل نظامنا الشمسي. وبقيت الأرض لفترة 800 مليون سنة دون حياة. وقبل 530 مليون سنة تدفقت عديدات الخلايا تدب على المعمورة، وقبل 200 ألف سنة بدأ الإنسان الحديث الزحف من شرق إفريقيا ليسكن كل المعمورة، في رحلة انتهت قبل 12 ألف سنة بعبور مضيق بهرنج إلى آلاسكا فالأمريكتين. وخلال فترة قصيرة تم اختراق مايزيد على عشرين حقلاً معرفياً في قطاف شهي لفاكهة جديدة وأبَّا. تم الإعلان عن الاستنساخ الجسدي عند نعجة دوللي. ويعلن (سيفرينو أنتينوري) من إيطاليا عن موعد وصول أول كائن إنساني مستنسخ في صيف عام 2002 م. وبذا ينفصل الإنجاب عن الجنس، في تحطيم عقيدة قديمة من ارتباط الجنس بالإنجاب في آلية لافكاك منها أودعها الخالق في كياننا في طاقة لحوحة لمتابعة إنتاج أنفسنا ومن كل شيء خلقنا زوجين. وانفجرت الثورة الكيميائية على يد (كارل جيراسي) بانتاج حبوب منع الحمل قبل أربعين سنة وأخيرا حبة الفياجرا الماسة الزرقاء. وفي معهد (سيرن CERN) للفيزياء النووية من جنيف أعلن (أولرت OELERT ) عن تصنيع مضاد المادة بصورة مقلوبة جداً إذا اجتمعت بالمادة تولدت طاقة لم يحلم بها سليمان في مجده، واختتم مشروع (هوجو HGP) بتعاون عالمي لفك مغاليق أسرار الشيفرة الوراثية للخلق، بمعرفة ثلاثة مليارات حمض نووي في كروموسومات النواة لها طلع نضيد بما يزيد على 100 ألف ثمرة من سطور الخلق لتشكيل كامل الخريطة البيولوجية لعا
المزيد
يونيو 16th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , الإختلاف, الإنسان, الديمقراطية, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
أبغض شيء على النفس الانتقاد، ولا تسكر النفس بخمر كالثناء، ويتخدر بعض المسؤولين بمورفين القوة فيبدأون بالهلوسة مثل متعاطي المخدرات. ويقول المثل أن كرسي المسؤولية يصيب صاحبه بالصمم. ولايمارس المجرم عمله دون تبرير كاف. الطبيعة البشرية تقوم على اعتقاد كمال الذات. مع هذا يبقى تقبل النقد مشعراً للنضج، وضبط النفس عين التقوى، ولكنها فضيلة صعبة الاقتناء مستحيلة المحافظة عليها بسبب الضعف الإنساني الذي لا يصلحه إلا النقد المستمر والمراقبة الدؤوبة. رأى الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) أن (السلطان) هو القوة الاجتماعية المحورية، كما كانت الطاقة في الطبيعة، والجنس في البيولوجيا. من شحنة كهربائية عالية التوتر في هيئة صاعقة، أو عضلات متوترة في جسم رياضي، أو طاقة روحية في تجليات فيلسوف مبدع، أو تدفق الرفاهية في مجتمع متقدم. القوة الاجتماعية تتظاهر بأكثر من شكل من القوة العسكرية أو المالية أو النفوذ والهيمنة السياسية والسيطرة على الرأي العام. وكما عرفنا تحول الطاقة في الفيزياء من شكل لآخر، كذلك جرى قدر السلطان الاجتماعي في تبدله من حال إلى حال؛ فالنفوذ يجني المال، والمال يفضي إلى التسلل لمفاتيح الرأي العام، والقوة العسكرية تفتح الطريق للاثنين معاً، والمماليك حكموا مصر خمسة قرون. لم يكن عبثاً أن ربط القرآن بين السلطان والمال (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه). القوة كمية حيادية ويمكن أن تخدم القوة أو الحقيقة. الصنم أو الفكرة. وتبقى (النتيجة) هي التي تحكم على أداء القوة. ومن ثمراتهم تعرفونهم فلا يُجتنى من العنب حسكاً أو من التين شوكاً. عندما يختلف الناس يتجادلون. ويمكن أن يبقوا خارج باب الحل ألف
المزيد
يونيو 8th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , الإنسان, الفلسلفة, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
كان هذا قبل 2500 سنة في عام 509 قبل الميلاد ، حيث يرتفع نبات فول (الفافا) والربيع الأخضر يبتسم، والطبيعة قد ازدانت تلبس أزهى ثيابها تحتفل بالعرس الكوني.
أما بجانب حقل الطبيعة الأخضر فكانت الطبيعة الإنسانية ترسم معالم صورة وحشية بالدم بريشة من سلاح الفولاذ، حيث أحاطت مجموعة من الناس المتعصبين، على حافة البساط الأخضر رجلاً طاعناً في السن، محمرة أحداقهم، علا الزبد أشداقهم والسباب، قد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا، يلتقط أنفاسه، وارتسمت على ملامح وجهه قدر استقبال الموت.
كان باستطاعة العجوز الإفلات من قبضة الرعاع الغاضبين، بالتسلل إلى بطن حقل الفول الأخضر، ولكن المفاجأة أنه بقي متسمراً يستقبل الغاضبين، وأسلحتهم المشرعة مع رسل الموت.
أحاطت المجموعة المجرمة بالعجوز الواهن ولم تشفع له سنواته الثمانون بالنجاة من منجل الموت يحصد أجله.
تدافعت إليه الأيادي بالأذى، والألسنة بالسوء، والأسلحة بالطعنات تترى حتى أسلم الرمق الأخير.
قتل الرجل بنفس غلطة الشاعر المتنبي؛ فعندما اعترضت طريقه مجموعة من العيارين فر منهم وأعطاهم ظهره؛ فناداه غلامه: ألست أنت القائل: الليل والخيل والبيداء تعرفني … والسيف والرمح والقرطاس والقلم
قال له يا غلام ويحك قتلتني وقتلت نفسك؛ فرجع إليهم فكر عليهم فقتلوه.
وهكذا كانت نهاية الفيلسوف العظيم فيثاغورس PYTHAGORAS فهو كان قد حرَّم على أتباعه أكل الفول أو الاقتراب من حقله، في سر دفين جره معه الى القبر، حتى كشف العلم عن معنى هذا السر بعد مرور ألفين وخمسمائة عام، مع داء منجلية الدم.
اعتبر الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل ) بيثاغوراس (واحداً من أهم الرجال الذين عاشوا في أي وقت من الأوقات).
واعتبر الحجة المؤرخ (جون آرنولد توينبي) أن الجنس البشري أُتحف بين عامي (600 ـ 480) قبل الميلاد، في فترة زمنية لا تتجاوز المائة والعشرين من السنين بظهور خمس عبقريات إنسانية متميزة، على يد خمسة من عظماء التاريخ، في تعاقب مدهش يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، فظهر في إيران زرادشت (زرواستر)، الذي أحيا ذكره الفيلسوف نيتشه، في كتابه (هكذا تكلم زرادشت Also sprach Zaratostra). وظهر في ظلمات
المزيد
مايو 31st, 2007
كتبها non_violence
نشر في , الإختلاف, الإنسان, التاريخ, العدالة, العلم, الفلسلفة, القرآن, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
ارتبط اسم الفيلسوف الأندلسي (ابن طفيل) بقصة (حيي بن يقظان) وعاصر الفيلسوف المشهور (ابن رشد) الذي امتحن ونال العذاب والنفي وسخط المجتمع ظلما ومات بعد موت الفيلسوف (ابن باجه) الأندلسي بسبعة وأربعين عاماً أي نحو نصف قرن. وهذه الكوكبة اللامعة من الفلاسفة الثلاثة يعتبرون منارات هدى وشموع أضاءت خريف الحضارة الإسلامية في الجزيرة. ويذهب الفيلسوف المصري (عبد الرحمن بدوي) إلى أن ما كتبه العرب هو الذي حفظ الفلسفة اليونانية. وهناك بعض النصوص التي كتبها الفيلسوف اليوناني (أرسطو) ضاعت في أصلها اليوناني وحفظت في الأصل العربي فقط. وأجمل ما في (ابن رشد) و(ابن طفيل) أنهما تعاصرا والذي قدم ابن رشد إلى الملك الموحدي أبو يعقوب كان ابن طفيل وطرح عليه الملك المثقف يومها مسائل في (الكوسمولوجيا) علم الكون فلم يتجرأ أن يصرح بأفكاره كثيرا لمعرفته التامة بالوسط الدوغمائي المتشدد. ففتح الملك صدره وطمأنه وبدأ يناقشه في بعض المسائل الفكرية فأدرك ابن رشد وقتها أن الملك الموحدي قد قطع شوطاً في هذه العلوم فلم يتحرج في مطارحته الأفكار، ونشأت بعد ذلك بين الرجلين صلة جيدة ولكنها لم تعمر بسبب الوشاة والمحرضين ورسا مصير ابن رشد ـ كما ينقل لنا التاريخ ـ في قرية (الليسانة) اليهودية منفيا مشرداً محطم القلب. ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. وكان موت ابن رشد في عام 1198 م في حين مات ابن طفيل في عام 1185 م بعد قرن من سقوط العاصمة التقليدية لشبه الجزيرة أي مدينة طليطلة. أما ابن باجه فمات في عام 1138 ومات الثلاث
المزيد
مايو 30th, 2007
كتبها non_violence
نشر في , الإختلاف, الإنسان, التاريخ, الديمقراطية, السياسة اللاعنف, العدالة, القرآن, المعرفة,
,
بقلم: خالص جلبي
أثناء زيارتي إلى موطني الجديد في كندا، بعد أن غادرت ديار البعث، ربما إلى يوم البعث، كما حصل مع هوجنوت فرنسا في رحلتهم الملحمية إلى هولندا وبرلين، أو البلاشفة البيض إلى باريس.. قمت بزيارة عائلة من الدياسبورا السورية، وأثناء العشاء طرحت سؤالا على الحضور وكنا ستة أشخاص: أرجو قراءة مستقبل سوريا بعيدا عن الإحباط أو إلقاء الظلال النفسية من هموم أو طموحات وتمنيات.
إلى اين يمضي هذا البلد المنكوب، مع دورة انتخابية رئاسة مزورة جديدة، لبيعة جديدة، تذكر بأيام الماليك البرجية، والملك سعيد جقمق ؟
قال الأخ صادق: فقط أريد أن تتغير عائلة الأسد التي تذكر بحكم ملوك فرنسا، أو فترة بريجينيف المملة وهي طبعاً أطول؟ ولكن حسب ما أرى فإن الإمبراطور حافظ الثاني جاهز؟؟
نظرت في سيدة مثقفة في الصدر قلت وأنت كيف ترين الأمور؟ قالت التغير قانون كوني وسوف يتغيرون، ربما ليس في سنوات قليلة، ولكن التغير قانون كوني؟
قلت معقبا قانون هيروقليطس عن قانون الصيرورة؟ أومأت برأسها إيجابا..
قالت إيناس زوجة صادق: أما أنا فأظن أنهم باقون أبد الدهر مثل دورة المريخ وزحل؟
وظهر في عينيها إحباط ويأس لايرفعهما شيء.
قالت سيدة رابعة تعمل في القانون: الموضوع متفاوت فقد يحصل تغير وقد لايحصل شيء، واترك الأمور تأخذ مجراها تأخذ قرونا، وتدخل فيها فلسوف تتغير في عشر سنوات، ولكن مع الانتخابت الجديدة نكون قد دخلنا نصف قرن من ظلمات البعث؟
وكان آخر في الجلسة يحدق بإحباط في هذا الظلام بدون شمعة.. بعد أن أصبحت مدينة مونتريال، تغص بالعرب الهاربين في مثل هذه الظروف الجهنمية، بدون أمل في الخلاص من قبضة أنظمة، لاترقب في إنسان إلا ولا ذمة..
وفكرت أنا في نفسي مرتين؛ أن نفس هذا الرجل الذي يتمنى الخلاص من حكم الأسد، لو كان في القطر المنكوب لربما صوت بنعم وهو يبرر لنفسه، كما حصل مع عائلة سورية تعرفت عليها في السعودية، حين قالت لي بفرح في انتخابات سابقة أنه يمكن أن ترسل بالفاكس نعم؟!
فلما سألتها هل فعلت أنت ؟؟
فتحت لي صفحة كبيرة بكذب أكبر قالت نعم وكان في الصفحة:
(في مثل هذا اليوم الأغر من المحبة المتدفقة والشمس تشرق والطيور تغرد أصوت بدمي بنعم؟؟؟ الخ ..)
قلت لها وهل أنت مقتنعة بهذا؟ أم تكذبين؟؟
بلعت ريقها بصعوبة. وصرخ زوجها من طرف آخر أنت السبب؟
قلت لها: وأنتم تصوتون بنعم، تلعنون في قلوبكم الحاكم والعصابة؟
أجابت بصعوبة نعم؟
قلت لها ألا يمكن أن لاتكذبوا ولا تلعنوا ؟؟ سكتت ولم تحر جوابا ..
وهنا تذكرت (أبو عبدو) أمين الحافظ حين جاء لأخراجنا من سجن المزة بعد سجن مرعب دام 39 يوما وكنت يومها طالبا جامعيا نجوت من الموت بإعجوبة، في أحداث الأموي عام 1965 م، كيف صفق له الجميع. وأنا أنظر في الرجل ومن حولي متعجبا؟؟
هز أبو عبدو رأسه وأشار بيده : كفوا عن التصفيق.. لانريد أن تصفق لنا أيدكم وتلعننا قلوبكم .. وكان صادقا في هذا ..
والأمر الثاني فكرت في نفسي أن السؤال يجب أن يطرح على شكل مختلف؛ لأننا نريد الخلاص، ولكن من سيكون بدلا عنهم؟
هل لو كنا محلهم سيتغير الأمر كثيرا؟؟
فهذه الجالية العربية المتدفقة إلى كندا، تذكرني وأنا أسمع خطبة الجمعة في جامعة كونكورديا، بأيام عصر مابعد الموحدين ، ولم يكن ينقصهم سلاسلة باللغة الأنجليزية، ولكنه نظم الخطاب اذلي لم يتغير منذ أيام المماليك؟
وهذا يعني أن نفس مشكلة بني إسرائيل مع موسى، نكررها بشكل مختلف، فهم رأوا أن الأمور لم تتغير كثيرا مع مجيئه، وهو المرسل من رب العالمين؟
قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا؟
فكان جواب موسى انقلابيا محوريا؛ أن العبرة ليست في زوال فرعون، بل من سيخلف فرعون؟
قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون؟؟
وهذا الشيء واضح مع الجالية العربية في كندا، فلو كان الأمر إليهم في تنظيم أمور مونتريال ربما حل بها الخراب، ولأن الأمر ليس في يد الجالية العربية المحبطة الفارة من ظلمات البعث وغير البعث، نجت المدينة والنظام، لأن المشكلة أكبر من البعث؛ فهذا فرعون مصر يهيء بيبي الثاني من بعده، وهذا إمبراطور اليمن يجهز ابنه من بعده، وفي ليبيا بلغ من وقاحة الساعدي ابن القذافي أن تخافه الفنادق في أوربا حيث حل.. وعائشة تنتظر العرش..
وهناك من يقول في مونتريال حيث العرب لا أريد أن أسكن؟
وهو لون من كره الذات عميق، ومن الفردية مخيف، بعد أن تمكنت مخابرات الأنظمة العربية من نفسية المواطن العربي..
ما يكون من نجوى ثلاثة، ألا والمخابرات رابعهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم، ثم ينبئهم بما عملوا في أقبية االفروع الأمنية، ولو كانت من شكوى امرأة، طلقها زوجها قبل عشرين سنة؛ فكتبت في حقه شكوى كيدية، كما حدث معي مع فرع الأمن السياسي في دمشق، وكنت محظوظأ ان نجوت من الفلق والحبوس، ولكن كنت شاهدا لمناظر الرعب والوجوه الممتقعة البيضاء..
وهذا يعني أن أزمتنا أبعد وأعمق بكثير من الاقتراب من انتخابات نزيهة تعددية عادلة ..
فهذه مسلمات يجب التخلص منها؛ مثل خرافة الانتخابات في العالم العربي، وأنهم وصلوا إلى شاطيء الحرية بسلام، وأنهم دخلوا عصر التنوير، أو أن أمريكا جاءت لزرع الديموقراطية…
وهم بهذا يرتكبون ثلاث أغلاط طبقاً عن طبق؛ فأمريكا ليست عندها رسالة بل مصلحة. وهي تنسف طاغية وتحافظ على طواغيت، حسب مقاييس البنتاغون، أكثر من مقاييس العدالة والحرية والديموقراطية، وهي قصة معروفة ومكررة، كتب عنها (نعوم تشومسكسي) كتاباً كاملاً ـ محبطاًـ بعنوان (ردع الديموقراطية).
ومن دخل عصر التنوير من باب السياسة دخله من الباب الخلفي، وحينما كان الفيلسوف (إيمانويل كانط) يكتب رسالته حول التنوير (Die Aufklaerung) لم تكن هناك انتخابات في ألمانيا.
كما أن الانتخابات لا تعني الديموقراطية، فليس هناك من مكان تزور فيه الانتخابات مثل جمهوريات الخوف والبطالة
المزيد